حيدر حب الله
48
حجية الحديث
وفي هذا السياق أيضاً ، نلاحظ خبرة الراوي بكلمات المرويّ عنه ، فلكلّ إنسان تعابيره ، والأنبياء وأهل البيت والصحابة كذلك ، فكلّما كان الراوي أشدّ ارتباطاً بالمرويّ عنه ، بحيث عاش معه فترةً طويلة ، فإنّ احتمال دقّته في فهم مراده يغدو أكبر ، مما يضاعف من قوّة احتمال نقله للخبر وصواب ما فهمه منه ، بل يضاعف من قوّة احتمال فهمه للفعل الذي صدر منه ، فلو لم يكن يعرفه فإنّه لو غضب لنقل لنا أن ردّة فعله على الحدث الفلاني الذي وقع أمامه كانت غاضبة ، أمّا لو كان يعرف أنّه يغضب دائماً ، وأنّ هذا هو طبعه لم يعد ينقل لنا خصوصيّةً إضافيّة في الفعل الذي وقع أمامه من حيث رفضه له ، بما يوحي وكأنّ القضيّة حالة استثنائيّة . كما أنّ طبيعة الموضوع الذي يطرحه المرويّ عنه يلعب دوراً في تحديد درجة قوّة الاحتمال ، فعندما يكون الراوي غير فهيم بقضايا الأحكام وإنما هو مهتمّ بالمغازي ، فنصوص الأحكام التي يرويها تكون درجة كشفها عن الواقع أقلّ ؛ لاحتمال التباسه في الفهم ، والعكس صحيح أيضاً . إذن ، فوثاقة الراوي - بمعنى صدقه - ليست معياراً وحيداً هنا على مستوى خصوصيات الراوي الشخصيّة ، بل ينضّم إليها ضبطه ، وخبرته بالموضوع ، ومدى قربه من المرويّ عنه ليفهم طريقة بيانه ، وكذلك ذاكرته ، ولغته و . . وإضافةً إلى ذلك كلّه ، هناك أمر مهم جداً أيضاً ، وهو وجود مصلحة للراوي في الخبر ، فإنّ شهادة علماء الرجال والجرح والتعديل بوثاقة شخص لا تعني القطع بوثاقته في تمام ما رواه ، بل هو في الغالب ظنّ على أكثر النظريّات المعروفة في علم الرجال ، من هنا فكونه ثقةً لا يلغي احتمال كذبه ؛ لهذا تضعف القوّة الاحتمالية في الخبر - حتى من الثقة فضلًا عن غيره - عندما يكون في الخبر مصلحة له ، كما لو كان عربياً ونقل نصوصاً تمتدح العرب أو تذمّ الفرس ، أو كان فارسيّاً وروى نصوصاً تمتدح الفرس وتذمّ العرب ، أو كان صرّافاً ونقل روايةً فيها مصلحة له ، أو كان نخاساً ونقل روايةً كذلك ، أو كان شيعياً ونقل روايةً عن النبي لمصلحة مذهبه ، أو كان سنياً وفعل ذلك ، وهكذا